أحمد بن محمد القسطلاني
355
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
حق الصلة المرجوح لم يذهب هدرًا . ولذا أجيبت فيه الدعوة اعتبارًا لكونه ترك الصلة ، وحسنت عاقبته وظهرت كرامته اعتبارًا بحق الصلاة . ولم يكن ذلك تناقضًا ، بل هو من جنس قوله عليه الصلاة والسلام " واحتجبي منه يا سودة " اعتبارًا للشبه الرجوح . وقول ابن بطال : إن سبب دعائها عليه لإباحة الكلام إذ ذاك ، معارض بقول جريج المشهود له بالكرامة : أمي وصلاتي ، إذ ظاهره عدم إباحته كما مر ، وهو مصيب في ذلك ولا يقال : إن كان جريج مصيبًا في نظره ، وأوخذ بإجابة الدعوة فيه لزم التكليف بما لا يطاق ، لأن الحق أن المؤاخذة هنا ليست عقوبة ، وإنما هي تنبيه على عظم حق الأم ، وإن كان مرجوحًا ، قال ابن المنير ، فيما نقله في المصابيح . ورواة هذا الحديث ما بين : مصري ومدني ، وفيه : التحديث بصيغة الإفراد والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف في باب { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ } [ مريم : 16 ] . وفي : ذكر بني إسرائيل ، ومسلم في باب : بر الوالدين . 8 - باب مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلاَةِ ( باب مسح الحصى ) أو التراب أو غيرهما مما يصلّى عليه ، ولأبي ذر ، مما صح عند اليونيني : الحصاة ( في الصلاة ) . 1207 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قال حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ : إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً " . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا شيبان ) بفتح المعجمة ، ابن عبد الرحمن ( عن يحيى ) بن أبي كثير ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( معيقيب ) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتانية ساكنة ثم موحدة ، ابن أبي فاطمة الدوسي المدني ، رضي الله عنه . ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال في ) شأن ( الرجل ) حال كونه ( يسوي التراب ، حيث ) أي : في المكان الذي ( يسجد ) فيه ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( إن كنت فاعلاً ) أي : مسويًا التراب ( فواحدة ) بالنصب ، بتقدير فامسح واحدة . أو : الفعل واحدة ، أو : فليكن واحدة ، أو : بالرفع مبتدأ وحذف خبره أي : فواحدة تكفيك ، أو : خبر مبتدأ محذوف أي : المشروع فعلة واحدة أي : لئلا يلزم العمل الكثير المبطل ، أو عدم المحافظة على الخشوع ، أو لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلاً . وأبيح له المرة لئلا يتأذى به في سجوده . وفي حديث أبي ذر ، عند أصحاب السنن مرفوعًا : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى " وقوله : إذا قام ، أراد به الدخول في الصلاة ليوافق حديث الباب ، فلا يكون منهيًا عن المسح قبل الدخول فيها ، بل الأولى أن يفعل ذلك حتى لا يشتغل باله وهو في الصلاة به ، والتعبير بالرجل ، خرج مخرج الغالب وإلاّ فالحكم جار في جميع المكلفين . وحكاية النووي الاتفاق على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة ، معارضة بما في المعالم للخطابي عن مالك ، أنه لم في به بأسًا ، وكان يفعله ، ولعله لم يبلغه الخبر . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين : كوفي وبصري ومدني ، وفيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة . وليس لمعيقيب في هذا الكتاب غير هذا الحديث ، وأخرجه مسلم في : الصلاة ، وكذا أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة . 9 - باب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلاَةِ لِلسُّجُودِ ( باب ) جواز ( بسط الثوب ) على الأرض ( في الصلاة للسجود ) عليه ، لأنه عمل يسير . 1208 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا غَالِبٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ " . وبه قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد قال : ( حدّثنا بشر ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن المفضل بالضاد المعجمة المشددة المفتوحة ، قال : ( حدّثنا غالب ) بالمعجمة وكسر اللام ، ولأبي ذر : غالب القطان ( عن بكر بن عبد الله ) بفتح الموحدة وإسكان الكاف المزني البصري ( عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال ) : ( كنا نصلي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض ) من شدة الحر ( بسط ثوبه ) المنفصل عنه أو المتصل به ، غير المتحرك بحركته عمدًا ( فسجد عليه ) . وإنما لم تبطل الصلاة بذلك ، مع أنه من غير جنسها لقلته . إذ كل عمل قليل : كالخطوتين أو الضربتين غير مبطل ، بخلاف الكثير . كالثلاث المتواليات . نعم ، يستثنى من القليل الأكل ، فتبطل به لإشعاره بالإعراض عنها ، إلا أن يكون ناسيًا أو جاهلاً تحريمه ، فلا تبطل به . وأما الكثير فتبطل به مع النسيان أو جهل التحريم في الأصح . وقد